ابن الجوزي
199
صيد الخاطر
فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في أن لا يظاهر بالعداوة أحدا لما بينت من وقوع احتياج الخلق بعضهم إلى بعض ، وإقدار بعضهم على ضرر بعض . وهذا فصل مفيد تبين فائدته للانسان مع تغلب الزمان . 158 - لذات الدنيا ممزوجة بالآفات والمنغصات رأيت أن النفس تنظر إلى لذات أرباب الدنيا العاجلة وتنسى كيف حصلت وما يتضمنها من الآفات . وبيان هذا انك ان رأيت صاحب أمارة وسلطنة فتأملت نعمته وجدتها مشوبة بالظلم . فإن لم يقصده هو حصل من عماله . ثم هو خائف منزعج في كل أموره ، جذر من عدوّ أن يسمّه ، قلق ممن هو فوقه أن يعزله ، ومن نظيره أن يكيده . ثم أكثر زمانه يمضي في خدمة من يخافه من السلاطين ، وفي حساب أموالهم ، وتنفيذ أوامرهم التي لا تخلو من أشياء منكرة . وان عزل أربى ذلك على جميع ما نال من لذة . ثم تلك اللذة تكون معمورة بالحذر فيها ومنها وعليها . وان رأيت صاحب تجارة رأيته قد تقطع في البلاد ، فلم ينل ما نال الا بعد علو السن وذهاب زمان اللذة . كما حكي أن رجلا من أولاد الرؤساء كان حال شبيبته فقيرا ، فلما كبر استغنى وملك أموالا واشترى عبيدا من الترك وغيرهم وجواري من الروم فقال هذه الأبيات في شرح حاله : ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا * ملكته بعد أن جاوزت سبعينا تطيف بي من بني الأتراك أغزلة * مثل الغصون على كثبان يبرينا وخرّد من بنات الروم رائعة * يحكين بالحسن حور الجنة العينا يغمزنني بأساريع « 1 » منعمة * تكاد تعقد من أطرافها لينا يردن احياء ميت لا حراك به * وكيف يحيين ميتا صار مدفونا قالوا أنينك طول الليل يسهرنا * فما الذي تشتكي قلت الثمانينا وهذه الحالة هي الغالبة ، فان الانسان لا يكاد يجتمع له كل ما يحبه إلا عند قرب رحيله .
--> ( 1 ) الاسروع في الأصل للظبي وهو يريد الأصابع .